هل يمكن لمبلغ لا يتجاوز 115 دولارًا أن يكون حجر الأساس لإمبراطورية تتجاوز قيمتها اليوم مئات المليارات من الدولارات؟ قد يبدو هذا السؤال ضرباً من الخيال، ولكنه يمثل الواقع الحرفي لأول خطوة قام بها وارن بافيت، "حكيم أوماها" وأحد أعظم المستثمرين في التاريخ، في عالم الأسهم. ففي ربيع عام 1942، وفي خضم الحرب العالمية الثانية، اتخذ طفل يبلغ من العمر 11 عامًا قرارًا غيّر مسار حياته ومسار عالم الاستثمار إلى الأبد.
في هذا المقال، سنغوص في أعماق القصة الملهمة لأول استثمار قام به وارن بافيت. لن نكتفي بسرد الأحداث، بل سنحلل التفاصيل الدقيقة، والمشاعر التي انتابته، والأخطاء التي ارتكبها، والأهم من ذلك كله، الدروس الخالدة التي تعلمها من هذه التجربة المبكرة والتي شكلت فلسفته الاستثمارية التي يتبعها الملايين حول العالم اليوم. استعد لرحلة إلى الماضي تكشف كيف يمكن لقرار صغير أن يطلق شرارة نجاح لا حدود له.
من هو وارن بافيت قبل أن يصبح "حكيم أوماها"؟
قبل أن يصبح وارن بافيت الاسم الذي يتردد في كل قاعات وول ستريت، كان مجرد طفل شغوف بالأرقام والمال في مدينة أوماها بولاية نبراسكا. لم تكن عبقريته وليدة اللحظة، بل كانت نتاج فضول وعمل دؤوب منذ نعومة أظفاره. في سن السادسة، كان يشتري عبوات الكوكاكولا المكونة من 6 زجاجات من متجر جده مقابل 25 سنتًا، ثم يبيع كل زجاجة على حدة مقابل 5 سنتات، محققًا ربحًا بسيطًا ولكنه مهم بالنسبة لطفل في عمره.
لم تقتصر مشاريعه المبكرة على بيع المشروبات الغازية، بل امتدت لتشمل توزيع الصحف، وبيع كرات الجولف المستعملة، وتفاصيل السيارات. كل سنت كان يكسبه لم يكن يُنفق على الحلوى أو الألعاب، بل كان يُدخر بعناية لهدف أكبر. كان بافيت يقرأ كل كتاب عن الاستثمار والمال يمكن أن تقع عليه يداه في مكتبة أوماها العامة، وكان مفتونًا بشكل خاص بفكرة أن "المال يمكن أن يولد المزيد من المال". هذه العقلية المبكرة هي التي مهدت الطريق للحظة الفارقة في حياته.
الشرارة الأولى: تفاصيل أول استثمار في عام 1942
في سن الحادية عشرة، وبعد سنوات من الادخار الدؤوب من مشاريعه الصغيرة، جمع وارن مبلغ 114.75 دولارًا. في ذلك الوقت، كان هذا المبلغ يمثل ثروة صغيرة بالنسبة لطفل، وكان يمثل كل مدخراته في العالم. بدلاً من شراء دراجة جديدة أو إنفاقه في أي شيء آخر، قرر بافيت أن الوقت قد حان لتطبيق ما قرأه في الكتب ويدخل عالم سوق الأسهم الحقيقي.
وقع اختياره على شركة تُدعى Cities Service Preferred (سيتي سيرفيس)، وهي شركة نفط وغاز كانت معروفة في ذلك الوقت. لم يكن هذا الاستثمار فرديًا بالكامل؛ فقد أقنع أخته الكبرى، دوريس، بالانضمام إليه في هذه المغامرة. قام بشراء ثلاثة أسهم لنفسه وثلاثة أسهم لأخته، بسعر 38.25 دولارًا للسهم الواحد.
لماذا اختار هذه الشركة تحديدًا؟ كانت "سيتي سيرفيس" اسمًا راسخًا، وكان السهم المفضل (Preferred Stock) يوفر توزيعات أرباح ثابتة، مما يجعله خيارًا أكثر أمانًا نسبيًا من الأسهم العادية، وهو ما جذب على الأرجح المستثمر الصغير الحريص على حماية رأس ماله الذي جمعه بشق الأنفس. كانت هذه الخطوة بمثابة إعلان رسمي عن بدء رحلته الاستثمارية.
الاختبار الأول للصبر: عندما انهار السعر
بمجرد أن وضع بافيت الصغير كل مدخراته في هذه الأسهم الثلاثة، كان يتابع سعر السهم يوميًا بشغف وقلق. كان يتوقع أن يرى استثماره ينمو، ليثبت لنفسه ولأخته أن قراره كان صائبًا. لكن ما حدث بعد ذلك كان أول اختبار حقيقي لأعصابه كمستثمر. فبدلاً من الارتفاع، بدأ سعر سهم "سيتي سيرفيس" في الانخفاض.
شاهد بافيت سعر السهم يهبط من 38.25 دولارًا إلى ما يقرب من 27 دولارًا. لقد خسر ما يقرب من 30% من قيمة استثماره في فترة قصيرة. يمكنك أن تتخيل حجم الضغط النفسي على طفل يبلغ من العمر 11 عامًا يرى مدخراته التي كدّسها لسنوات تتبخر أمامه. والأسوأ من ذلك، أنه كان يشعر بالمسؤولية تجاه أخته دوريس التي وثقت به واستثمرت أموالها بناءً على توصيته. كانت تذكره كل يوم بخسارتهما المتزايدة، مما زاد من شعوره بالذنب والتوتر.
هذه التجربة القاسية علمته في وقت مبكر جدًا أن سوق الأسهم لا يسير دائمًا في خط مستقيم صاعد. لقد كانت جرعة واقعية ومؤلمة عن التقلبات الحتمية في الأسواق المالية.
الربح الصغير والدرس الكبير: خطأ كلفه الكثير
تحلى بافيت بالصبر على مضض، وتمسك بالأسهم رغم الضغط اليومي. لحسن حظه، بدأ السوق في التعافي، ومعه ارتفع سعر سهم "سيتي سيرفيس". عندما وصل سعر السهم إلى 40 دولارًا، قرر بافيت أن الوقت قد حان للبيع. لقد كان متلهفًا للخروج من هذه التجربة المجهدة وتحقيق ربح، حتى لو كان صغيرًا.
باع الأسهم الثلاثة محققًا ربحًا إجماليًا قدره حوالي 5 دولارات بعد حساب العمولات. لقد شعر بالارتياح لأنه استعاد أمواله وحقق ربحًا بسيطًا، والأهم أنه تجنب الخسارة التي كانت تلوح في الأفق. لكن الدرس الأكبر لم يأتِ بعد.
بعد فترة وجيزة من بيعه للأسهم، حدث ما لم يكن في الحسبان. انطلق سهم "سيتي سيرفيس" في رحلة صعود صاروخية، حيث قفز سعره ليتجاوز 200 دولار للسهم الواحد! لو احتفظ بافيت بأسهمه، لكان ربحه الصغير البالغ 5 دولارات قد تحول إلى ما يقرب من 500 دولار، وهو مبلغ ضخم جدًا في ذلك الوقت. هذا الخطأ البسيط في التوقيت، وهذا البيع المبكر المدفوع بالخوف والرغبة في تحقيق ربح سريع، كان بمثابة صفعة قوية علمته الدرس الأهم في حياته.
3 دروس خالدة من استثمار بقيمة 114 دولارًا
لقد لخص وارن بافيت هذه التجربة لاحقًا في ثلاثة دروس أساسية شكلت جوهر فلسفته الاستثمارية. هذه الدروس لا تزال صالحة اليوم كما كانت قبل 80 عامًا:
- لا تركز على السعر فقط، بل على قيمة الشركة: كان خطأ بافيت الأول هو التركيز بشكل مفرط على حركة سعر السهم اليومية. الدرس الذي تعلمه هو أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يركز على القيمة الجوهرية للشركة التي تستثمر فيها، وليس على تقلبات السوق قصيرة الأجل. لو أنه آمن بأساسيات الشركة على المدى الطويل، لما تخلى عن أسهمه بهذه السرعة.
- لا تبع استثمارًا جيدًا من أجل ربح صغير: الدرس الثاني كان عن تكلفة الفرصة الضائعة. الخروج من استثمار قوي لمجرد تأمين ربح بسيط يمكن أن يمنعك من تحقيق مكاسب هائلة على المدى الطويل. أصبح هذا المبدأ حجر الزاوية في استراتيجيته المعروفة بـ "الشراء والاحتفاظ" (Buy and Hold).
- الصبر هو أقوى أسلحة المستثمر: ربما يكون هذا هو الدرس الأكثر أهمية. لقد دفعه نفاد الصبر والخوف إلى اتخاذ قرار عاطفي بالبيع. أدرك بافيت أن المستثمر الناجح لا يتفاعل مع ضوضاء السوق، بل يتحلى بالصبر والثقة في تحليله الأولي، ويمنح استثماراته الوقت الكافي لتنمو وتؤتي ثمارها.
كيف أثرت هذه التجربة على فلسفته الاستثمارية؟
كانت تجربة "سيتي سيرفيس" بمثابة الشرارة التي أشعلت عبقرية بافيت الاستثمارية. لقد حولت هذه الخسارة المحتملة والربح الضائع تركيزه من مجرد "المضاربة" على الأسهم إلى "الاستثمار" في الشركات. بدأ يفهم الفرق بين السعر (Price) والقيمة (Value). أدرك أن الهدف ليس شراء سهم بسعر منخفض وبيعه بسعر أعلى بقليل، بل شراء حصة في شركة ممتازة بسعر معقول والاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة.
هذه المبادئ التي تعلمها وهو في الحادية عشرة من عمره هي نفسها التي بنى عليها إمبراطوريته "بيركشاير هاثاواي". استثماره في شركات مثل كوكاكولا، وأمريكان إكسبريس، وأبل، لم يكن قائمًا على توقعات قصيرة المدى، بل على إيمانه العميق بقيمتها التنافسية وقدرتها على تحقيق الأرباح على مدى عقود. كل قرار اتخذه لاحقًا كان يحمل في طياته صدى تلك التجربة الأولى: تجربة الخوف، والندم، وفي النهاية، الحكمة.
الخلاصة
قصة أول استثمار لوارن بافيت هي أكثر من مجرد حكاية عن طفل يشتري ويبيع الأسهم. إنها درس عميق في علم النفس الاستثماري، يوضح كيف يمكن للعواطف مثل الخوف والطمع أن تؤثر على قراراتنا المالية. تعلمنا هذه القصة أن الأخطاء المبكرة ليست نهاية الطريق، بل هي أفضل معلم يمكن أن نحظى به.
من خلال استثمار بقيمة 114.75 دولارًا، تعلم بافيت دروسًا لا تقدر بثمن عن أهمية الصبر، وقوة الرؤية طويلة المدى، والفرق الجوهري بين سعر السهم وقيمة الشركة. هذه المبادئ البسيطة، التي تشكلت في عقل طفل يبلغ من العمر 11 عامًا، أصبحت فيما بعد القواعد الذهبية التي حولته إلى أعظم مستثمر في عصرنا.
والآن، ما هو أول استثمار قمت به في حياتك، وما هو أهم درس تعلمته منه؟